السيد علي الحسيني الميلاني

98

شرح منهاج الكرامة في معرفة الإمامة

تضييعاً للحق وتعتيماً للحقيقة ، قال : « والجواب : إن هذا الكلام كلّه لا يخرج عن قسمين : إما كذب في النقل وإما قدح في الحق . فإن منه ما هو كذب معلومٌ الكذب أو غير معلوم الصدق ، وما علم أنه صدق فليس فيه ما يوجب الطعن على عمر ، بل ذلك معدود من فضائله ومحاسنه التي ختم اللّه بها عمله . . . . ومن هذا الباب أمر الشورى ، فإن عمر بن الخطاب كان كثير المشاورة للصّحابة ، وعليه أن يستخلف الأصلح للمسلمين ، فاجتهد في ذلك ورأى أن هؤلاء الستة أحق من غيرهم ، وجعل التعيين إليهم خوفاً أن يعيّن واحداً منهم ويكون غيره أصلح لهم ، وهذا أحسن اجتهاد إمام عالم عادل ناصح لا هوى له . . . فرأى الأمر في الستة متقارباً ، فإنهم وإن كان لبعضهم من الفضيلة ما ليس لبعض فلذلك المفضول مزية أخرى ليست للآخر ، فترك التعيين خوفاً من اللّه تعالى ، واللّه تعالى قد أوجب على العبد أن يفعل المصلحة بحسب الإمكان ، فكان ما فعله غاية ما يمكن من المصلحة ، وإذا كان من الأمور أمور لا يمكن دفعها فتلك لا تدخل في التكليف ! ومما ينبغي أن يعلم أن اللّه تعالى بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الناس على غاية ما يمكن من الصلاح لا لرفع الفساد بالكلية ! ولا ريب أن الستة الذين توفّي رسول اللّه وهو عنهم راض الذين عيّنهم عمر ، لا يوجد أفضل منهم وإن كان في كل منهم ما كرهه ، فإن غيرهم يكون فيه من المكروه أعظم . . . وإذا كان الواحد من هؤلاء له ذنوب ، فغيرهم أعظم ذنوباً وأقل حسنات . . . » ( 1 ) . وقال ابن حجر العسقلاني : « وفي قصة عمر هذه من الفوائد : شفقته على المسلمين ، ونصيحته لهم وإقامته السنة فيهم ، وشدّة خوفه من ربّه ، واهتمامه بأمر الدين أكثر من اهتمامه بأمر نفسه » ( 2 ) .

--> ( 1 ) منهاج السنّة 6 / 150 . ( 2 ) فتح الباري 7 / 56 .